فخر الدين الرازي
238
تفسير الرازي
رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة . الخامس : قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً ، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً ، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً ، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولاً ، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالاً . المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة ، أما الأول : فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى . والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات . أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : * ( لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم ) * فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد . وثانيها : قوله تعالى : * ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) * ( النساء : 89 ) . وثالثها : قوله تعالى : * ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) * ( آل عمران : 120 ) وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة متلازمان . ورابعها : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله : * ( قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ، اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم ) * ( يوسف : 8 ، 9 ) فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له . وخامسها : قوله تعالى : * ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) * ( الحشر : 9 ) أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون ، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد . وسادسها : قال تعالى في معرض الإنكار : * ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) * ( النساء : 54 ) . وسابعها : قال الله تعالى : * ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) * ( البقرة : 213 ) إلى قوله : * ( إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم ) * ( الشورى : 14 ) قيل في التفسير : حسداً . وثامنها : قوله تعالى : * ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ) * فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول . وتاسعها : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوماً قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا ، فكانوا ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى : * ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) * ( البقرة : 19 ) إلى قوله : * ( أن يكفروا بما أنزل الله بغياً ) * ( البقرة : 90 ) أي حسداً . وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام ، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة ، فهذا حكم الحسد . أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه . أولها : قوله تعالى : * ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) * ( المطففين : 26 ) . وثانيها : قوله تعالى : * ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) * وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة